محمد جمال الدين القاسمي

269

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان ؟ فأنزل الله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ . . . [ البقرة : 189 ] الآية ، فإنما أجيب بما فيه من منافع الدين . و ( ثانيها ) : أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته ، كما سأل الرجل عن الحج « 1 » : أكلّ عام ؟ مع أن قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران : 97 ] ، قاض بظاهره أنه للأبد ، لإطلاقه . ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً . . . [ البقرة : 67 ] . و ( ثالثها ) : السؤال من غير احتياج إليه في الوقت ، وكأن هذا - والله أعلم - خاص بما لم ينزل فيه حكم ، وعليه يدل قوله : ذروني ما تركتكم . وقوله : وسكت عن أشياء رحمة بكم ، لا عن نسيان ، فلا تبحثوا عنها . و ( رابعها ) : أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها ، كما جاء في النهي « 2 » عن الأغلوطات . و ( خامسها ) : أن يسأل عن علة الحكم - وهو من قبيل التعبدات ، أو السائل ممّن لا يليق به ذلك السؤال - كما في حديث « 3 » قضاء الصوم دون الصلاة . و ( سادسها ) أن يبلغ بالسؤال إلى حدّ التكلف والتعمّق ، وعلى ذلك يدلّ قوله تعالى : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ ص : 86 ] ، ولما سئل

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الحج ، حديث 412 ونصه : عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال « أيها الناس ! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا » فقال رجل : أكلّ عام ؟ يا رسول الله ! فسكت . حتى قالها ثلاثا . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « لو قلت : نعم ، لوجبت ، ولما استطعتم » ثم قال « ذروني ما تركتكم . فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم . فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم . وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه » . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : العلم ، 8 - باب التوقي في الفتيا ، حديث 3656 ونصه : عن معاوية أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم نهى عن الغلوطات . ( الغلوطات ) بفتح الغين المعجمة وضم اللام - وهي المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلّوا فيها فيهيج بذلك شر وفتنة . وهي جمع غلوطة - بالفتح - ثم قيل : هي مثل حلوبة وركوبة ، إذا جعلا اسمين . وقيل : أصلها أغلوطة ، خففت بطرح الهمزة . كما تقول : لحمر . وأنت تريد ( الأحمر ) . محمد محي الدين عبد الحميد . ( 3 ) أخرجه مسلم في : الحيض ، حديث 69 ونصه : عن معاذة قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : أحروريّة أنت ؟ قلت : لست بحرورية ، ولكني أسأل . قالت : وكان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة .